أخبار وطنية SDF في «جنينة الباساج»: مشرّدون بين الاحتياج والإهمال والإهانة
«لا فائدة ترجى من الحديث.. لقد انتهت حياتي ولن تفيدني الصحافة ولا المقالات.. لن يستمعوا اليكم، ولن يعيرونا اهتمام.. اتركوني وشأني» هكذا كانت اجابة أحد المسنين القابع على كرسيه المتحرك أمام جامع الفتح وسط العاصمة.. ضمّادات على عينه اليسرى وساق مبتورة، ويد ممدودة لطلب الصدقة، هكذا كانت حالته، ورغم محاولتنا اقناع هذا المسن أن يروي لنا قصته والظروف التي دفعته للمبيت أمام المسجد، فانه رفض الاجابة مؤكدا أنه لم يعد يرغب في الحياة «ماذابيا نموت .. ماعادش نحب نعيش» ...
يأس من الحياة ومن انتشاله من وضعه المزري، ورغم رفضه الحديث فانه ابتسم لنا قبل أن نتركه وطلب منا الاهتمام بالشباب المهمش والمقصي ومساعدة صغار السنّ، أمّا هو فقد فقد الرغبة في الحياة على حدّ تعبيره ..
صدّ تكرر معنا أمام جامع الفتح، حيث رفض أكثر من شخص الحديث ، وجاءت اجاباتهم متشابهة، وهي أن الصحافة لن تستطيع مساعدتهم طالما أن الدولة ترفض الاستماع الى مشاكلهم وايجاد حلول لهم..
دخلنا المسجد حيث وجدنا أحدهم متكئا على الجدار، كان بصدد تناول القليل من الخبز، تحدثنا معه، وحاولنا استدراجه في الحديث لكنه وكغيره أكد لنا أنه ملّ الحديث وأننا لسنا أول من حاوره، حيث سبق له أن التقى بعديد المرشدين والصحفيين، لكن دون جدوى فحالته بقيت على ماهي عليه قبل وبعد الثورة..
تركنا جامع الفتح، حيث يفترش البعض الأرض ويلتحفون السماء، لا مأوى لهم ولا مورد رزق، يجابهون برودة الطقس والأمطار بملابس رثة و»كردونة» وبعض الأغطية المهترئة ان وجدت طبعا..
تحولنا الى حديقة «الباساج»، هذا المكان الغريب، الذي يجتمع فيه المتسول والمشرد والطالب و»الكوبلوات» وطالبو الراحة، وبعض الباعة، ففي هذه الحديقة وتحت أشجارها الكثيفة قد تلتقي بكافة شرائح المجتمع، كل له غايته ..
أمضى حياته متسولا مشردا
في مدخل الحديقة التقينا بعمّ عبد العزيز بن حسين الحرباوي، مقعد من مواليد 1943، ورغم التجاعيد التي رسمت نقوشا مختلفة على وجهه الشاحب، وعينيه الجاحظتين من فرط التّعب، رحب بنا عمّ عبد العزيز وفسح لنا المجال للجلوس إلى جانبه، قبل أن يتمتم « لا حنانة ولا رحمة.. عباد ماعادش تحن على الزوالي.. راجل لباس عليه يرميلك عشرين فرنك» ..
عمّ عبد العزيز عاش حياته مشردا، توفيت والدته وعمره لم يتجاوز الأشهر وقتل والده في الحرب، وبين المساجد ومحطات القطارات أمضى سنوات عمره، حيث لم تسمح له حالته الصحية واعاقته بالعمل، وهو ما أجبره على التسوّل طيلة حياته.
10 سنوات مرت على وجود عم عبد العزيز بحديقة الباساج، وبلغة فيها الكثير من السخرية الممزوجة بالمرارة قال متهكما: «مرت 10 سنوات وأنا أحرس وأحصي الحافلات هنا، على شركة النقل تكريمي أو احالتي على التقاعد»..ورغم ألمه وقلة ذات اليدّ لم يتوقف عم عبد العزيز عن الضحك والمزاح، حدثنا عن حبه للترجي الرياضي، وهو ما كان جليا من خلال الألوان التي رسمت على كرسيه المتحرك وعصاه، وقبل أن نتركه ونرحل تمنى هذا الشيخ المسن أن يكمل حياته في غرفة تأويه وأن تتوفّر له جراية محترمة تضمن له الحياة الكريمة آخر عمره..
محجوبة الأسود أو قصة كوخ «جنينة الباساج»...
غير بعيد عن عمّ عبد العزيز يلاحظ كل شخص تطأ قدماه حديقة الباساج، وجود كوخ أو «عشّة» ان صحّ التعبير وسط الحديقة، أغطية وملابس معلقة، تقترب من ذلك المكان لتستقبلك السيدة محجوبة الأسود البالغة من العمر 53 سنة، وبمجرد أن أخبرتها أنني صحفية سارعت خالتي محجوبة وجلبت لي كرسيا من وسط «عشّتها» ومجموعة من الأوراق، كما حملت معها بعض الأقمشة التي افترشتها، وانطلقت الخالة محجوبة في سرد قصتها الغريبة وحكايتها مع «جنينة «الباساج» ، حيث ذكرت أنها على هذا الحال منذ سنتين..
الخالة محجوبة دفعتها ظروفها وقسوة الحياة الى المبيت داخل كوخ شيدته من بعض الأعمدة داخل حديقة الباساج، في البداية أخبرتنا أنها اصيلة ولاية بنزرت واضطرت الى الانقطاع عن الدراسة لتربية اخوتها والاهتمام بهم وذلك لأن والدتها كانت تشتغل بالثكنة العسكرية وتحديدا بالمطبخ ولا يمكنها الاعتناء بأطفالها.. وذكرت الخالة محجوبة أن وضعهم الاجتماعي تردى منذ وفاة والدتها، حتى المنزل الذي اشتغلت عليه والدتها طيلة حياتها، تم حرقه واطردت منه ابان الثورة ووجدت نفسها في الشارع، خاصة بعد زواج اخوتها وتخليهم عنها ..
في الأثناء أخبرتنا أنها تزوجت من رقيب في الجيش، لكن وبمجرد صعود بن علي الى سدّة الحكم تخلى زوجها عن منصبه وغادر تونس في اتجاه ليبيا.. وذكرت الخالة محجوبة أنها اضطرت في وقت سابق للحاق بزوجها حيث أقامت في ليبيا مدة 7 سنوات، لكن الأمر الذي دفعها للعودة الى تونس مصحوبة بابنها الوحيد هو أن طليقها خيرها بين العيش في ليبيا مدى الحياة أو العودة الى تونس، فخيرت العودة حيث قالت: «لقد اخترت وطنا تخلى عني اليوم» .
وأمام كل ما مرت به الخالة محجوبة من مصاعب خيرت الابتعاد عن مسقط رأسها والتحول الى العاصمة، حيث انطلقت رحلة تشردها وعذابها، في البداية اضطرت للسكن بنزل «العياشي» لكنها تعرضت هناك الى السرقة والتعنيف والتحرّش ومن هذا النزل انتقلت الى نزل آخر وسط العاصمة بجهة باب بحر حيث مرت بنفس الظروف من اهانة وعنف ومنه خيرت الانتقال الى حديقة الباساج حيث شيّدت فيها كوخها مضيفة أنه ورغم محاولات أعوان البلدية اخراجها منه فان بعض الجمعيات وأصحاب الخير حالوا دون ذلك..
الليل كابوس مقيت
وعن حياتها داخل هذا الكوخ الذي يفتقر الى أبسط ضرورات الحياة، أكدت الخالة محجوبة أنها تقاسي الأمرين وأن حياتها باتت جحيما، مضيفا أنها فكرت في الانتحار لكنها تراجعت .
«بت أخاف الليل» هكذا وصفت الخالة محجوبة حياتها الحالية، مشيرة الى أنها تتعرض الى مضايقات عديدة من قبل المارة ومن بعض «سكان» الحديقة، حيث لا يتوانى الجميع عن اهانتها وتعنيفها ومحاولة الاعتداء عليها، ونعتها بالمجنونة واتهامها في شرفها وغير ذلك من الاعتداءات ناهيك عن سرقة أموالها..
الخالة محجوبة التي تقطن داخل كوخ يحتوي على بعض الأدباش التي لا ترتقي الى كلمة أثاث، أملها الوحيد في هذه الحياة غرفة تأويها أو كما قالت هي « أريد غرفة أو قبرا» .. وأن تتمكن من الالتقاء مجددا بابنها والعيش معه..
وقبل أن نتركها عرضت علينا الخالة محجوبة كأسا من القهوة وأمام رفضنا، ألحت علينا لقبول برتقالة، ذكرنا هذا التفصيل البسيط لا لشيء سوى لنقول انه ورغم فقرهم وتشردهم فهم أكثر الناس كرما ..
شباب مشرد فاقد للأمل
في حديقة الباساج التقينا كذلك بالشاب أحمد الحناشي البالغ من العمر 33 سنة، كان بصدد بيع بعض الكتب الدينية الصغيرة، أحمد حدثنا عن مرضه وكيف أقام بمستشفى الرازي قبل أن يهرب منه نتيجة المعاملة السيئة التي تعرض اليها هناك، مشيرا الى أن حلمه الوحيد في الحياة هو العثور على مورد رزق، حيث ذكر أنه طرق أبوابا عديدة لكنها كانت موصدة ..
أحمد ورغم أنه كان مختلفا عمن شاهدناهم في الحديقة حيث كانت ملابسه نظيفه وهندامه لائقا، فانه روى على مسامعنا حالة اليأس التي بات يعاني منها، مشيرا الى أن كل ما يطلبه من الدولة التونسية هو دفتر علاج مجاني وبطاقة اعاقة لا غير وذلك حتى يتمكن من العلاج، لأن وضعه الصحي يزداد سوءا يوما بعد يوم ..
وعلى احدى الأرائك الخشبية بالحديقة كانت جالسة وحيدة والى جانبها كيس أسود يحتوي على لحاف وحقيبة وممزقة، كانت ترتدي ملابس رثة وعمدت الى ربط خفها (شلاكة) بحبل.. اقتربنا منها فوجدنا أن عمرها لا يتجاوز ال35 سنة، ورغم رفضها الحديث لأنها عاجزة عن ذلك نتيجة عدم تذوقها الطعام منذ 3 أيام فاننا تمكنا من معرفة أن ظروفها الاجتماعية أجبرتها على مغادرة محلها الزوجي وأنها تبيت حاليا بمحطة الميترو بوشوشة، مضيفة أنها درست الاعلامية لكنها لم تعثر عن عمل، وأنها تقضي أيامها في الشارع.. وبسؤالنا اياها لماذا لم تأكل كل هذه المدة أجابت بكونها ترفض طلب المساعدة من أي كان وأنها تخجل ولا تقبل التسوّل...
حقائق صادمة وواقع لا مفر منه، أمنيات بسيطة لأشخاص لا مأوى ولا مورد رزق لهم ..هم بمثابة الجرح الغائر في المجتمع التونسي، بين حقوقهم المدونة في الدستور وبين واقعهم بون شاسع، لن تكفينا هذه الورقة للحديث عنه، لكن يبقى السؤال الأهم هو لماذا لا تحاول الدولة التونسية ايجاد حلول جذرية لهذه الفئة من المجتمع التي قست عليهم الحياة فوجدوا انفسهم على قارعة الطريق، مشردين بلا مأوى بين الحدائق العومية ومحطات القطارات والحافلات..
احصائيات
حسب الاحصائيات التي نشرتها جمعية « دار تونس» التي تعنى بفاقدي المأوى فانه يوجد حوالي 3000 متشرد في تونس، وبينت الجمعية انّ عدد فاقدي السند في إرتفاع بسبب غلاء المعيشة وعجز البعض عن دفع الإيجار.
وتشير الاحصائيات الى أنّ 70 %من الرجال بلا مأوى بينما بلغت نسبة النساء والأطفال 30 بالمائة.
تحقيق من إعداد: سناء الماجري